في ضوء الاهتمام مؤخرًا بمسألة احتجاز ومراقبة وضبط الأشخاص غير المعياريين/ات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا يسعى هذا المقال إلى توفير بدائل لأنظمة العدالة، بل يطرح الحاجة إلى قلب مفهوم العدالة رأسًا على عقب، مبينًا أنه في سياق الدولة القومية، تغدو العدالة في جوهرها بحكم الواقع والقانون آليةً للضبط والمراقبة. ويبني المقال على مفهوم فوبيا الدولة لدى ميشال فوكو من منظورٍ مناهضٍ للاستعمار، كما يستلهم من النظرية النسوية التقاطعية، ومفهوم الدولة العربية كدولةٍ نيو-بطريركيةٍ وفقًا لهشام شرابي. ويسلّط المقال الضوء على الحاجة إلى الابتعاد عن التخيّل ما بعد الاستعماري الذي يحسن الظن بالدولة وكأنها نتاج لرغبة الشعب في تقرير المصير، ويحث المقال على النظر إلى الدول القومية بشكل أكثر واقعية و مناهضٍ للاستعمار، إذ أن تلك الدول بحد ذاتها أصبحت مراكز قمعية في مرحلة ما بعد الاستعمار العسكري. بالإضافة إلى ذلك، يتناول المقال دور المجتمع المدني في تعزيز العدالة غير العادلة ضمن أطر عمل الدولة القومية من خلال طرح مثالَين: أولًا، حملة القمع التي شنّتها السلطات المصرية مؤخرًا على الأشخاص غير المعياريين/ات، وثانيًا، وضع الفلسطينيّين/ات غير المعياريين/ات ممّن يعيشون تحت الاحتلال. ويقدّم المثال المصري حالة دولةٍ ذات سيادةٍ تقيّد علنًا الحريات الجنسية والجندرية، بينما يقدّم المثال الفلسطيني حالة دولة احتلالٍ تكفل ظاهريًا الحقوق الجندرية والجنسية. ويُستخدم المثالان لإظهار الأسُس النظرية التي يسعى المقال من خلالها إلى أشكَلة وكسر ثنائيات العدالة مقابل الظلم والدولة مقابل المجتمع المدني، في محاولةٍ لجعل مفهوم العدالة كويريًا أو تجريده من المعايير السائدة.